فصل: تفسير الآيات (1- 4):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (19- 35):

{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)}
يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ الإِنسانَ خُلق هلوعاً}، قال ابن عباس: الهلوع: الحريص على ما لا يجده، وعن الضحاك: هو الذي لا يشبع. وأصل الهلع: أشد الحرص وأسوأ الجزع، قال صلى الله عليه وسلم: «شر ما أعطي العبدُ شحٌّ هالع، وجُبن خالعٌ»، وأحسن تفاسيره: ما فسّره به الحق تعالى بقوله: {إِذا مسّه الشرُّ جَزوعاً}؛ مبالغ في الجزع، {وإِذا مسّه الخيرُ} أي: السعة والعافية {مَنوعاً}؛ مبالغاً في المنع والإمساك، وسُئل ثعلب عن الهلوع، فقال: قد فسّره اللهُ تعالى، ولا يكون تفسيرٌ أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شرٌّ أظهر شدّة الجزع، وإذا ناله خيرٌ بخل ومنع، وهذا طبعه، وهو مأمور بمخالفة طبعه، وموافقة شرعه. والشرُّ: الضرُّ والفقر، والخير: السعة والغنى.
ثم استثنى مِن الإنسان؛ لأنَّ المراد به الجنس، فقال: {إِلاَّ المُصَلِّين الذين هم على صلاتهم دائمون} لا يشغلهم عنها شاغل؛ لاستغراقهم في طاعة الخالق، واتصافهم بالإشفاق على الخلق، والإيمان بالجزاء، والخوف من العقوبة، وكسر الشهوة، وإيثار الآجل على العاجل، على خلاف القبائح المذكورة، التي طبع عليه البشر. قال ابن جُزي: لأنَّ صلاتهم تحملهم على قلة الاكتراث بالدنيا، فلا يجزعون مِن شرها، ولا يبخلون بخيرها. اهـ. وسيأتي في الإشارة تحقيقها إن شاء اللهُ. {والذين في أموالهم حقٌّ معلومٌ} يعني الزكاة؛ لأنها مقدّرةٌ معلومةٌ، أو صدقةٌ يوظفها الرجلُ على نفسه، يؤديها في أوقات معلومة، {للسائلِ} الذي يسأله، {والمحرومِ} الذي لا يسأله تعفُّفاً، فيظن أنه غني، فيُحرم.
{والذين يُصَدِّقُونَ بيوم الدين} أي: يوم الجزاء والحساب، فيتعبون أنفسَهم في الطاعات البدنية والمالية؛ طمعاً في المثوبة الأخروية، فيستدل بذلك على تصديقهم بيوم الجزاء. {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون}؛ خائفون على أنفسهم مع ما لهم من الأعمال الفاضلة، استقصاراً لها، واستعظاماً لجانبه عزّ وجل، كقوله: {والذين يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ...} [المؤمنون: 60]، إلخ {إِنَّ عذابَ ربهم غيرُ مأمونٍ}، هو اعتراض مؤذن بأنه لا ينبغي لأحدٍ أن يأمنَ مِن عذابه تعالى، ولو بلغ في الطاعة ما بلغ، بل ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء كجناحي الطائر.
{والذين هم لفروجهم حافظون إِلاَّ على أزواجهم}؛ نسائهم، {أو ما ملكتْ أيمانُهم} أي: إيمائهم {فإِنهم غيرُ ملومين} على ترك الحفظ، {فمَن ابتغَى} أي: طلب منكحاً {وراءَ ذلك} غير الزوجات والممولكات {فأولئك هم العادُون}؛ المتعدُّون لحدود الله، المتجاوزون عن الحلال إلى الحرام. وهذه الآية تدل على حرمة المتعة ووطء الذكران والبهائم، والاستمناء بالكف، لكنه أخف من الزنا واللواط.
{والذين هم لأماناتهِم} وهي تتناول أمانات الشرع، وهي التكاليف الشرعية، وأمانات العباد، {وعهدِهم} أي: عهودهم، ويدخل فيه عهود الخلق، والنذور والأيمان، {راعون}؛ حافظون، غير خائنين، ولا ناقضين، وقيل: الأمانات: ما تدل عليه العقول، والعهد: ما أتى به الرسولُ.
{والذين هم بشهادتهم قائمون} يقيمونها عند الحُكّام بالعدل، بلا ميل إلى قريب وشريف، ولا ترجيح للقوي على الضعيف، وإظهار للصلابة في الدين، وإحياء لحقوق المسلمين، وتخصيصها بالذكر مع اندراجها في الأمانات؛ لإبانة فضلها.
{والذين هم على صلاتهم يُحافظون}؛ يُراعون شرائطها، ويُكملون فرائضها وسننها ومستحباتها، وكرر ذكرها لبيان أنها أهمّ، أو: لأن إحداهما للفرائض، والأخرى للنوافل. وقيل: الدوام عليها: الاستكثار مِن تكررها، والمحافظة عليها: ألاّ تضيع عن أوقاتها، أو: الدوام عليها: أداؤها في أوقاتها، والمحافظة عليها: إتقانها وحفظ القلب في حضورها، أو: المراد بالأولى: صلاة القلوب، وهي دوام الحضور مع الحق، وبالثانية: صلاة الجوارح. وتكرير الموصولات تنزيلٌ لاختلاف الصفات منزلةَ اختلاف الذوات، إيذاناً بأن كل واحد من الصفات المذكورة نعت جليل على حِياله له شأن خطير، حقيق بان يفرد له موصوف مستقل، ولا يجعل شيء منها تتمة للآخر.
{أولئك} أي: أصحاب هذه الصفات الجليلة. وما فيه من معنى البُعد مع قُرب العهد بالمُشار إليه للإيذان بعلو شأنهم وبُعد منزلتهم في الفضل، {في جناتٍ مُكرَمون} أي: مستقرُّون في جناتٍ لا يُقادَر قدرها، ولا يدرك كنهها، معظَّمون فيها، منعَّمون، وهما خبران للإشارة، أو: {في جنات} متعلق بـ {مكرَمون}.
الإشارة: طبعُ الإنسان من حيث هو: الجزع والهَلع، لخراب الباطن من النور، إلاّ أهل التوجه، وهم مَن مَنَّ اللهُ عليهم بصُحبة أهل الغنى بالله، وهم الذين ذّكَرَ اللهُ بقوله: {على صلاتهم دائمون} أي: صلاة القلوب، وهي دوام الحضور مع الحق، باستغراق أفكارهم في أسرار التوحيد، وهو مقام الفناء في الذات، فهم الذين تطهَّروا من الهلع لِما باشر قلوبَهم من صفاء اليقين، فمَن لم يبلغ هذا لا ينفك طبعه عن الهلع والطمع، ولو بلغ ما بلغ. قيل لبعضهم: هل للقلوب صلاة؟ قال: نعم إذا سجد لا يرفع رأسه أبداً. اهـ. أي: إذا واجهته أنوارُ المواجهة خضع لها على الدوام، {والذين في أموالهم} أي: فيما منحهم اللهُ من العلوم والأسرار، حق معلوم للسائل، وهو طالب الوصول، والمحروم، وهو طالب التبرُّك، لكثرة علائقه، أو: لضعف همته، أو: للسائل، وهو مَن دخل تحت تصرفهم، والمحروم: مَن لم يدخل في تربيتهم، فله حق، بإرشاده إلى ما يصلحه مما يقدر عليه وينفعه. والذين يُصدِّقون بيوم الدين، فيجعلونه نُصب أعينهم، فيجتهدون في الاستعداد له.
{والذين هم من عذاب ربهم} وهو عذاب القطيعة {مُشفقون إنّ عذاب ربهم غير مأمون} ولو بلغ العبد من التمكين ما بلغ؛ لأنَّ الله مُقَلِّب القلوب ولا يأمن مكرَ الله إلاَّ القوم الخاسرون. {والذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} فإنهم ينزلون إلى القيام بحقهن بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، فمَن ابتغى وراء ذلك؛ بأن قصد شهوة المتعة، فأولئك هم العادون، تجب عليهم التوبة، والذين هم لأماناتهم، وهي أنفاس عمرهم، وساعات أوقاتهم، أو: الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، {وعهدهم} الذي أخذ عليهم في عالم الذر، وهو الإقرار بالربوبية، والقيام بوظائف العبودية، {راعون}، فهم يراعون أنفاسهم وساعاتِهم، ويُحافظون عليها من التضييع، ويُراعون عهودَهم السابقة واللاحقة، أي مع الله، ومع عباده، فيُوفون بها ما استطاعوا، والمراد نية الوفاء، لا الوفاء بالفعل، فمَن عقد عهداً ونيته الوفاء، ثم منعته الأقدار، فهو وافٍ به.
والذين هم بشهادتهم لأنوار الربوبية قائمون بالأدب معها. والذين هم على صلاتهم الواجبة يحافظون، شكراً وأدباً. أولئك في جنات المعارف، مُكرَمون في الدنيا والآخرة.

.تفسير الآيات (36- 44):

{فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)}
يقول الحق جلّ جلاله: {فَمَالِ الذين كفروا}، وكُتب مفصولاً اتباعاً للمصحف، أي: أيُّ شيء حصل لهم حتى كانوا {قِبلك} أي: حولَك {مُهطِعينَ} مُسرعين، مادّين أعناقهم إليك، مقبلين بأبصارهم عليك، {عن اليمين وعن الشمال} أي: عن يمينك وشمالك {عِزينَ}؛ متفرقين فرقاً شتّى. جمع: عِزَة، وأصلها: عِزوة، من العزو، فعُوِّضت التاء من الواو، كأنّ كل فرقة تُعزى إلى غير مَن تُعزى إليه الأخرى. والعزة: الفرقة القليلة، ثلاثة أو أربعة. كان المشركون إذا رأوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الكعبة يقومون من مجالسهم مسرعين إليه، ويُحلِّقون حوله حِلقاً حِلقاً، وفِرقاً فِرقاً، يستمعون ويستهزئون بكلامه صلى الله عليه وسلم ويقولون: شاعر، كاهن، مفتر، ثم يقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد، فلندخلنها قبلهم، فنزلت: {أيَطْمَعُ كلُّ امرئٍ منهم أن يُدخَلَ جنةَ نعيم} بلا إيمان.
{كلاَّ}، ردع لهم عن ذلك الطمع الفارغ، وهو دخولهم الجنة بلا إيمان {إِنَّا خلقناهم مما يعلمون}، تعليل للردع، أي: إنَّا خلقناهم من نطفةٍ مَذِرة، فلا يستأهل الكرامة إلاَّ مَن تحلّى بالإيمان والطاعة، وكسا لوث بشريته بنور إيمانه، وحلّها بالتقوى، التي بها العز والشرف والارتفاع في أوج القُربى والكرامة التي محلها الجنة، إنما تكون بمخالفة الطبيعة، وغلبة الروح على الطينة الأرضية، والفرض لعدم ذلك منهم، فلا يطمعون في كرامات الروحانية، مع تمحُّض الطينة الجسمانية، فإنه محال بمقتضى الحكمة. قال أبو السعود: وقيل معناه: إنّا خلقناهم من نطفة مذرة، فمن أين يتشرّفون ويدّعون التقدُّم، ويقولون: لَندخلن الجنةّ قبلهم؟ والفرض أنهم مخلوقون من نطفة قذرة، لا تُناسب عالم القدس، فمَن لم يستكمل الإيمان والطاعة، ولم يتخلّق بأخلاق الملائكة، لم يتأهّل لدخولها. ثم قال: ولا يخفى ما في الكل من التمحُّل، والأقرب: أنه كلام مستأنف، سيق تمهيداً لِما بعده مِن بيان قدرته تعالى، على أن يهلكهم، لكفرهم بالبعث والجزاء، واستهزائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما نزل عليه من الوحي، وادعائهم دخول الجنة بطريقة السخرية، وينشئ بدلهم قوماً آخرين، فإنَّ قدرته على ما يعلمون من النشأة الأولى حجة بيِّنة على قدرته تعالى على ذلك، كما يُفصح عنه الفاء الفصيحة في قوله تعالى: {فلا أُقسم بربِّ المشارِق والمغاربِ}، والمعنى: إذا كان الأمر كما ذكرنا من أنّا خلقناهم مما يعلمون فأُقسم برب المشارق والمغارب {إِنَّا لقادِرون على أن نُبدِّل خيراً منهم} أي: نُهلكهم بالمرة، حسبما تقتضيه جنايتهم، ونأتي بدلهم بخلقٍ آخرين ليسوا على صفتهم. اهـ. {وما نحن بمسبوقين}؛ بعاجزين، أو بمغلوبين إن أردنا ذلك، لكن مشيئتَنا المبنية على الحِكمة البالغة اقتضت تأخير عقوبتهم.
{فَذَرْهم}؛ فدع المكذِّبين {يخوضوا} في باطلهم، التي من جملتها ما حكي عنهم، {ويلعبوا} في دنياهم {حتى يُلاقوا يومَهم الذي يوعدون}، وهو يوم البعث عند النفخة الثانية، يدل عليه قوله تعالى: {يوم يَخرجون من الأجدَاثِ}؛ القبور {سِراعاً}؛ جمع سريع، وهو حال من ضمير {يَخرجون} أي: مسرعين إلى الداعي {كأنهم إِلى نُصُبٍ}، وهو كل ما نُصب وعُبد من دون الله، وفيه السكون والفتح.
{يُوفضون}؛ يُسرعون، {خاشعةً أبصارُهم}، ذليلة، لا يرفعونها خوفاً وذِلة، {ترهقهم ذِلةٌ}: يغشاهم هوان شديد، {ذلك} أي: الذي ذكر ما سيقع فيه من الأحوال الهائلة هو {اليومُ الذي كانوا يُوعَدون} في الدنيا، وهم يكذّبون به.
الإشارة: فما لأهل الإنكار والغفلة قِبَلك أيها الداعي مسرعين، يُحبون الخصوصية بلا مجاهدة، أيطمع كل امرئٍ منهم أن يُدخل جنةَ نعيم الأرواح، وهي جنة المعارف، كلاً، إنّا خلقناهم مما يعلمون من الطينة الأرضية، فلا يطمع أحدٌ في الخصوصية، حتى تستولي روحانيتُه على بشريته، ومعناه على حسه، وتخنس الطينية الطبيعية تحت أنوار الحقيقة القدسية. قال الورتجبي: امتنَّ اللهُ على أوليائه الصادقين أنه يلبغهم إلى جواره؛ لأنهم خُلقوا من تربة الجنة، وخُلقت أرواحهم من نور الملكوت، وإلى مواضعها ترجع، وللقائه خَلَقَهم، ومن نوره أوجدهم، وإنَّ أهل الخذلان خُلقوا من عالم الشهواني والشيطاني، ومنبعُهما النار، فيدخلون مواضعهم؛ لأنهم ليسوا من أهل جواره، ونحن لا ننظر إلى ما خلقنا منه من النطفة والطين، ولا نعتبر بهما، نحن نعتبر بالاصطفائية والخاصية في المعرفة، فإنَّ بهما نصل إلى جوار الله تعالى. اهـ.
قلت: والتحقيق أنّ البشرية كلها من الطين، والروح كلها من النور الملكوتي، فمَن غلب منهما فالحُكم له، فإنْ غلبت الروحُ تنوّرت البشرية بأنوار الهداية، وأشرق الباطن بأسرار المعارف، وإن غلبت البشرية تظلّمت الروح، فتارة يبقى لها شعاع الإيمان، وهو مقام أهل اليمين، وتارة ينطمس عنها، وهو مقام الكفر، والعياذ بالله. وقوله: لأنهم خُلقوا من تربة الجنة، أي: من التربة التي رش عليها من ماء الجنة، حتى أضيفت إليها، وقد تقدّم عن القشيري. والله تعالى أعلم. ثم أقسم تعالى على أنه قادر على تبديل الأشباح فيبدل الخبيث إلى الطيب، وبالعكس، على حسب مشيئته، ثم قال: فذر أهل الغفلة يخوضوا في بواطنهم مع الخواطر، ويلعبوا في ظواهرهم في أمور دنياهم، حتى يُلاقوا ما يُوعدون، فيقع الندم حيث لا ينفع. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد، وآله.

.سورة نوح:

.تفسير الآيات (1- 4):

{إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)}
يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا أرسلنا نوحاً} وهو أول أُلي العزم. قيل: معناه بالسريانية: الساكن، وقيل: سمي له لكثرة نوحه شوقاً إلى ربه، {أنْ أَنْذِر قَوْمَكَ} أي: بأن أنذر، فحذف الجار وأوصل الفعل، ومحله عند الخليل: الجر: وعند غيره: نصب، أو: أنْ مفسرة؛ لأنَّ الإرسال فيه معنى القول، فلا يكون للجملة محل، وقرئ: {أنذر} بغير أنْ، أي: خوّف قومك {مِن قبل أن يأتيهم عذابٌ أليم}؛ عذاب الآخرة، أو الطوفان، لئلا يبقى لهم عذر أصلاً.
{قال يا قوم}، أضافهم إلى نفسه إظهاراً للشفقة {إِني لكم نذير مبينٌ}؛ مُنذِر موضّح لحقيقة الأمر، أُبين لكم رسالة ربي بِلُغةٍ تعرفونها، {أنِ اعبدُوا اللهَ} أي: وحّدوه وأنْ هذه نحو: {أن أنذر} على الوجهين، {واتقوه}؛ واحذروا عصيانه، {وأطيعونِ} فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وإنما أضافه إلى نفسه؛ لأنَّ الطاعة تكون لغير الله بخلاف العبادة، وطاعته هي طاعة الله.
{يغفرْ لكم من ذنوبكم} أي: بعض ذنوبكم وهو ما سلف في الجاهلية، فإنَّ الإسلام يَجُبُّه، إلاّ حقوق العباد؛ فإنه يؤديها، وقيل: {مَن} لبيان الجنس، كقوله: {فاجتنبوا الرجس مَنَ الأوثآن} [الحج: 30]. قال ابن عطية: وكونها للتبعيض أبين؛ لكونه لو قال: يغفر لكم ذنوبكم؛ لعَمّ هذا اللفظ ما تقدّم به من الذنوب وما تأخر عن إيمانهم، والإسلام إنما يَجُب ما قبله. اهـ. قال القشيري: ولأنه لو أخبرهم بغفران ما تقدّم وما تأخّر لكان إغراءً لهم، وذلك لا يجوز. اهـ. {ويُؤخِّرْكُم إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى} وهو وقت موتكم، فتموتون عند انقضاء آجالكم الذي تعرفونه من غير غرق ولا هلاك استئصال، فإن لم تؤمنوا عاجَلَكم بالعذاب، فيكون هو آجالكم، ولمّا كان ربما يتوهم أنَّ الأجل قد يتقدّم، رَفَعَه بقوله: {إنَّ أَجَلَ اللهِ} وهو الموت عند تمام الأجل {إِذا جاء لا يُؤخَّرُ لو كنتم تعلمون} أي: لو كنتم تعلمون لسارعتم إلى الإيمان قبل مجيئه، فلا حُجة فيه للمعتزلة. وانظر ابن جزي.
الإشارة: قال القشيري: إنَّا أرسلنا الروح إلى قومه، وهم: النفس والهوى وصفاتهم الظلمانية الطبيعية؛ أن أنذرهم عن المخالفة الشرعية، مِن قبل أن يأتيهم عذاب القطيعة، قال: يا قوم إني لكم نذير بيِّن الإنذار، أن اعبُدوا الله، بأن تُحبوه وحده، ولا تُحبُّوا معه غيره، من الدنيا، وشهواتها وزخارفها، واتقوا بأن لا تروا معه سواه، وأطيعوني في أقوالي وأفعالي وأخلاقي وصفاتي، يغفر لكم ذنوب وجودكم، فيُغطيه بنور وجوده، ويُؤخركم إلى أجلٍ مسمى، بتسْمية الأزل، إنَّ أجل الله بالموت الحسي والمعنوي، لا يُؤخَّر، لو كنتم تعلمون، لكن انهماككم في حب الدنيا بعّد عنكم الأجل. اهـ. بالمعنى.